المحقق البحراني
19
الحدائق الناضرة
فيفسد لفوات شرطه والصوم لا يتبعض . ولو نسيها ليلا جددها ما بينه وبين الزوال فلو زالت الشمس زال محلها . وقال ابن أبي عقيل : يجب على من كان صومه فرضا عند آل الرسول ( عليهم السلام ) أن يقدم النية في اعتقاد صومه ذلك من الليل . وهو ظاهر في وجوب تبييتها ، ويمكن حمله على تعذر المقارنة بها فإن الطلوع لا يعلم إلا بعد وقوعه فتقع النية بعده وهو يستلزم فوات جزء من النهار بغير نية . وقال ابن الجنيد : ويستحب للصائم فرضا وغير فرض أن يبيت الصيام من الليل لما يريد به ، وجائز أن يبتدئ بالنية وقد بقي بعض النهار ويحتسب به من واجب إذا لم يكن أحدث ما ينقض الصيام ، ولو جعله تطوعا كان أحوط . وظاهره جواز تجديد النية في الفرض وغيره بعد الزوال مع الذكر والنسيان ، وحمل كلامه على أن مراده بالفرض غير المعين وإلا فهو باطل . وقال المرتضى ( رضي الله عنه ) : ووقت النية في الصيام الواجب من قبل طلوع الفجر إلى قبل زوال الشمس . فإن كان مراده بالامتداد إلى وقت الزوال ما هو أعم من وقت الاختيار والاضطرار ليخص الامتداد إلى الزوال بالناسي ونحوه فهو صحيح وإلا فهو مشكل . وظاهر الدليل الذي نقله عنه في المختلف هو أن مراده الامتداد ولو للمختار حسبما سيأتي في قضاء شهر رمضان ، وحينئذ فيكون كلامه مخالفا لما عليه الأصحاب في المسألة . وأما أن الناسي للنية ليلا يجددها ما بينه وبين الزوال فقال المحقق في المعتبر والعلامة في التذكرة والمنتهى أنه موضع وفاق بين الأصحاب . واستدلوا عليه بما روي ( 1 ) " أن ليلة الشك أصبح الناس فجاء أعرابي إلى النبي
--> ( 1 ) لم أقف حتى في كتب الحديث للعامة على حديث بهذا اللفظ والمضمون وقد نقل البيهقي في السنن ج 4 ص 211 و 212 عدة أحاديث في هذا الموضوع : أولها عن عكرمة عن ابن عباس وهو يتضمن شهادة الأعرابي الواحد وفي آخره قال صلى الله عليه وآله " يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا " والثاني أيضا عن عكرمة عن ابن عباس وقد تضمن مجئ الأعرابي ليلة هلال رمضان وفي آخره : فنادى أن صوموا . والثالث عن عكرمة " أنهم شكوا في هلال رمضان مرة فأرادوا أن لا يقوموا ولا يصوموا فجاء أعرابي من الحرة فشهد أنه رأى الهلال فأتى به النبي صلى الله عليه وآله . . إلى أن قال فأمر صلى الله عليه وآله بلا لا فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا " ثم قال البيهقي : قال أبو داود : ورواه جماعة عن سماك عن عكرمة مرسلا ولم يذكر القيام أحد إلا حماد بن سلمة . ثم نقل من كتاب المستدرك لأبي عبد الله الحافظ نفس الحديث بطريق ينتهي إلى حماد بن سلمة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس . والرابع يتضمن رؤية ابن عمر الهلال واخباره رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه صام وأمر الناس بصيامه . والخامس يتضمن رؤية الهلال بعد رسول الله صلى الله عليه وآله والسادس عن فاطمة بنت الحسين يتضمن الشهادة عند علي عليه السلام . هذه أحاديث الباب . ولم يتعرض للحديث في كتبهم الفقهية في مقام التعرض لوجوب الامساك وعدمه في يوم الشك لو ظهر أنه من شهر رمضان نهارا والحديث المنقول في المتن من المعتبر يشبه أن يكون هو الحديث الثالث الذي نقلناه من غير طريق حماد بن سلمة إلا أن الحديث من غير هذا الطريق مشعر أيضا بأن دعوى الرؤية كانت في الليل إذ لم يشتمل على النداء بأن من لم يأكل فليصم ومن أكل فليمسك . فالحديث المذكور بهذا المضمون لا وجود له في ما حضرني من كتب الحديث والفقه للعامة كما لا وجود له في كتب الحديث للخاصة . نعم النداء بالنحو المذكور فيه وارد في صوم عاشوراء بطريق العامة وقد نقل الأحاديث في هذا الموضوع في السنن ج 4 ص 288 باب ( من زعم أن صوم عاشوراء كان واجبا ثم نسخ وجوبه ) وفي أحدها " أنه صلى الله عليه وآله أمر رجلا من أسلم أن أذن في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء " وفي آخر : أنه صلى الله عليه وآله أرسل صبيحة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة أن من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليصم بقية يومه . وكيف كان فلا يخفى أن الأحاديث الثلاثة الأول التي نقلناها من السنن في موضوع الشهادة بهلال شهر رمضان تضمنت سؤال النبي صلى الله عليه وآله من الشاهد الشهادة بالتوحيد والنبوة وإجابة الشاهد بالاثبات .